الجمل نيوز : بوزيد لغلى
في سياق كلامه عن الرأسمال الرمزي والروحي لأسا , ذكر دولاشابيل أنها مركز اجتماع الأولياء.ولا نستطيع فهم القداسة وأبعادها ما لم نعمد إلى تحليل ارتباط ذكر أسا بالأولياء . اذ تشكل عبارة " 366 صالح (ولي) " قمة ومركز المركب الرمزي المشكل لمفهوم القداسة المتخيلة بأسا .ذلك المركب الرمزي الذي أثله وأصله الفكر الصوفي ممثلا في الطريقة الخضرية التي نقل عن شيخها الدباغ كلام مغر بالتأمل حول ما سماه " ديوان الصالحين " بأسا ومكة المكرمة .
وفي انتظار بسطة ضافية كافية لمفهوم الديوان وصفته ومكان انعقاده ، لنا أن نوسع آفاق التساؤل عن دلالة حصر عدد الأولياء في 366، مع ما يثيره تطابق الروايات الشفوية بخصوص عددهم بمدن أخرى مع هذا العدد حسب تصريح دولاشابيل من أسئلة مثيرة من قبيل : هل هذا العدد حقيقة أم مجاز؟ هل هو تعبير يستند إلى إحصاء دقيق أم إشارة إلى الكثرة والتعدد ؟
صحيح أنه لا أحد يستطيع أن يجادل الكهول والشيوخ فيما يعتقدونه حقا لا جمجمة فيه ، فأسا عندهم تراب الصالحين ومجمعهم ، يرقد بها 366 وليا ، لكن بالمقابل ، لا أحد يستطيع أن يعد هؤلاء الأولياء واحدا تلو الآخر ، ولا يتجاسر أحد على زعم أنه يعرف أسماء هذا العدد من الأولياء وأضرحتهم ومراقدهم ، والبحوث الجامعية التي أجريت بهذا الخصوص – على نفاسة بعضها – ولا نبخس الناس أشياءهم ، أقرب ما تكون إلى الاحتطاب منه إلى الاستقصاء العلمي والانثروبولوجي المحكم .
وإذا كان الخبر المنبئ بوجود 366 وليا بأسا متواترا جاريا على كل الألسنة ، فإن صون الخبر وحفظه مقدسا ، لن يمنعني من التأويل ، فالخبر مقدس ، والتأويل حر كما يقال ، لكن قبل أن أخط خطوطا منفتحة للتأويل ، أود أن ألتمس من كل قارئ حصيف ، أن ينظر إلى ما سأكتبه عاذرا غير عاذل ، فمن الجائز أن يشطط الكاتب في التأويل ، لكن عذره أن القضية إرث ثقافي قابل للمساءلة والنقد، خاصة وأنها ترتبط بتشكل العقلية العربية الإسلامية التي لم تسلم من شوائب الأساطير وبقايا الوثنية ، فضلا عن أصول التربية الو ساطية التي يشكل الوسيط فيها العمدة والأساس ، لدرجة أنك تلحظ في الأمثال الشعبية مثلا روحا سارية للوساطة تسربت إلى العقيدة ، فأضحى الناس يرددون بوعي و بدونه : ( أللي أمسند ما يطيح ) ، أي أن كل من يتوسل بولي ينجو من العثرات والسقطات !! . والمقام هنا لا يتسع لتتبع مثل هذا التلبيس في العقيدة والثقافة ، لذلك سنكتفي بهذا الكلام مدخلا لتأويل العدد366 رجاء أن نشق طريقا نحو المصدر الذي تنسلت منه هذه الفكرة التي تناقلها الأجداد بقلب سليم ، وتلقاها الخلف بتشنيع مقيم .
* العدد 366 وليا : أولياء أخفياء أم أجلياء ؟
يزعم البعض أن فكرة 366 وليا ليست سوى مبالغة يراد بها إثبات الكثرة 95، ولا يوجد في أرض الواقع هذا العدد الضخم من الأولياء ما دامت شواهد أضرحتهم مندرسة غير معلومة ، فعدد أضرحة الأولياء المشهورين يكاد يعد على رؤوس الأصابع . ولكن كثيرا من العامة ممن لا يجادلون في صحة هذه الفكرة ، يرددون بأن عدد الأولياء المعلومين لا ينفي وجود أولياء أخفياء ، وأكثر أولياء أسا من هذا القبيل96.
ويجد هذا القول الخلفية العقدية المؤيدة له في تركة بعض الصوفية كابن عربي الذي نورد من كلماته التي تستغلق على الفهم ، هذا النص :
« إعلم أن رجال الله أربعة مراتب : رجال لهم الظاهر ، ورجال لهم الباطن ، ورجال لهم الحد ، ورجال لهم المطلع ، فإن الله سبحانه وتعالى لما أغلق دون الخلق باب النبوة والرسالة ، أبقى لهم باب الفهم عن الله فيما أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز .... فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الشهادة ... وأما رجال الباطن فهم الذين لهم التصرف في عالم الغيب والملكوت ، فسيستنزلون الأرواح العلوية بهممهم فيما يريدونه....» 97. ليس في نيتنا ولا من صميم مرادنا أن نجرح الشيخ الأكبر أو نحاكمه طبقا لفهوم العلماء الذين يحلو للغزالي أن يسميهم " فقهاء الرسوم " ولكننا نصر على القول بأن أفكاره الدائرة حول علم الأحوال والأسرار ، وتصرف الأولياء في الكون بالهمة والعزيمة ، أدت إلى " تشغيب على المتأهب للمزيد"98كما عبر الشيخ الأكبر في الفتوحات .
ولعل من التشغيب الذي غشي العقل المنتهل من مشرب فكر ابن عربي وغيره من الصوفية الذين يتحدثون عن وجود " رجال الباطن " من الأولياء ، أن بعض العامة بأسا يعتقدون أن من أحبه "رجال أسا " أو "رجال البلاد " يأتون به على سبع خيول بيض ، ومن كرهه " رجال أسا" يأخذونه على "سبع خيول سود"99.
لنا أن نحلل الرموز الميثولوجية التي يستبطنها هذا الكلام ، فعلاقات المحبة والعداوة ، تغلف بغلاف ديني أسطوري ليشتد وقعه على السامع ، فإذا كان المقام سعيدا بأسا ، فلأن "رجال البلاد" راضون عن الشخص ، وإذا كان المقام "تعيسا" ، "بئيسا" ، نغصته المشاكل ، فلأن "رجال البلاد" ساخطون !
هذا التفسير الأسطوري للأحداث ، لا يشذ عن غبره من "الأساليب الأسطورية في مجابهة الواقع أو في الرد على العجز والإحباط " 100، وهي تمثل في مجملها " بنى وسلوكات أسطورية" تخيم على الوعي العربي بشكل عام101.
وغير خاف أن ورود الخيل – في الحكاية السابقة أو الإقتباس السابق- بلونيها الدالين على جدلية الحياة (الأبيض) والموت (الأسود) . أو ثنائية الخير (الخيل البيض)** والشر (الخيل السود)**** .
ولا شك أن دلالة الخيل والفرس في اللغة ، تحمل الكثير من الأبعاد الإشارات التي من شأنها أن تغني تحليلنا لمفهوم الخيل التي يحمل "رجال أسا " ، "رجال الخفاء" من كان مرغوبا أو مقبولا ، ومن كان على النقيض من ذلك مكروها منبوذا .
نجد في أساس البلاغة أن الفرس مشتق من فعل فرس ، فيقال فرس فلان إذا حذق بأمر الخيل فروسة وفروسية ، ويقال : ليس بفارس ، ولكنه يتفرس . وفرس : صار ذا رأي وعلم بالأمور .
الفرس طبقا لهذه المعاني يحيل على الفراسة .
أما الخيل ، فهي مشتقة من خال ، خيل ، ومنه " أتت المعاني التي تدل على صور السراب من ظن وتخيل وارتفاع .... والخيل (بهذا المعنى) ، رمز المعرفة التوهمية التخيلية "102، وبذلك يتقاطع ويتفق معنى الخيل في اللغة المحيل على الظن ، مع معنى الفرس المحيل على الفراسة ، وهي معرفة ظنية تخيلية ، إذ يقال : تفرس الخير بمعنى تخيله وتوسمه .
نمسك هاته المعاني بعناية فائقة ، ونضيف إليها معنى آخر ، قد يسهم في استجلاء المضامين الخفية لربط تصرف "رجال البلاد" بالخيل .هذا المعنى ننقله بأمانة عن المحلل البارع الدكتور على زيعور حيث يقول : « لا نغفل العلاقة بين الخال والبرق ، فالخيل سريعة كالبرق ، والبرق بركة ...، ومن البرق اشتقت كلمة براق أي حصان .... وقد قدسوا الخيل وقدسوا البرق ، كلاهما رمز إلى العطاء والخصوبة والخير »103.
إذا اردنا تجميع وتقميش هذه الإفادات ذات الأصول اللغوية ، واللغة حاضنة فكر وفلسفة المجتمع ، سهل علينا تفكيك رموز الرواية الشفوية السابقة المتعلقة " بتصرف رجال أسا " .
فالخيول في متنها ترمز إلى ظنية المعرفة ، فهم أخفياء ، والمعرفة بهم معرفة ظنية غير يقينية ، ولكن العامة يتخيلون الظن يقينا ، ويؤمنون في قرارات أنفسهم بهذه القوة الخفية والقدرة الموهومة التي تحمل الخير لمن أحبت ، والشر لمن كرهت ! ، ولا يملك المرء حيالها سوى "التسليم" : "تسليم يا رجال البلاد" كذا يتمتم العامة عند تلقي هذه الأخبار المسكونة بروح غرائبية !
علاوة على جدلية الخير والشر التي تسكن عالم هذه الحكاية ، فإن حضور الخيل بها وليس الإبل المشهورة بالمنطقة ، يحيل على قضيتين :
- أولهما : أن الأصول الأسطورية للحكاية ، قد تعود لعصر بائد ، فأسا عمرتها واستوطنتها أمم تدين بديانات شتى وثنية ويهودية ومسيحية ، ولا شك أن تركتها من الأساطير والحكايات لا تزال مستضمرة في ثقافتنا الشعبية .
- ثانيهما : إن حضور الخيل بما ترتبط به من سرعة كالبرق ، أنسب وأجدى للمنطق السردي ، فالبناء المحكم للحكاية القائمة على سرعة تنفيذ حكم رجال أسا في حق من أحبوه ومن أبغضوه ، تناسبه الخيل المسرعة ، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الحكاية التي تزعم زيارة الرسول عليه السلام لأسا ، تتوسل أيضا بالخيل وسيلة للسفر ، الأمر الذي يزكي نسبة هاته الحكايات جميعا إلى الخيال .
أليس الخيل في اللغة يحيل على الخيال، وكل "خيال فلابد من تأويله "104كما قال ابن عربي
العدد 366 والتقويم السنوي :
ثمة أزعومة تفيد بأن عدد الأولياء الآنف الذكر ، ليس سوى ترميز لعدد أيام السنة الكبيسة ، غير أن هذا الزعم يفتقر إلى حجج تقيم صلبه ، فالتأكيد على أهمية الوقت بإضفاء نوع من القداسة على الخطاب المنتج حوله ، لا يعني بالضرورة تحويل عدد الأيام إلى "أولياء" ترجى بركتهم !!
بهذا نخلص إلى تأكيد غرابة هذا التأويل ، والمعول عليه ، وهو أن ما يعتقده العامة من وجود أولياء أخفياء (رجال الباطن) ، يستند إلى خلفية فكرية صوفية لا تخطئها عين الباحث المطلع ، سنعمد فيما يأتي من صفحات على التوقف عندها مليا عند دراسة بعض نصوص كتاب الإبريز.
من كتاب : زاوية أسا ، جدل التاريخ و الأسطورة


0 التعليقات