الجمل نيوز : بوزيد لغلى
أشار بعض الباحثين المهتمين بشأن التصوف إلى أن كثيرا من القوم أهل الطريق يرصفون كلامهم في المقامات والمنازل وما إليها بذكر ديوان الأولياء105. وبذكره تتوارد على الخاطر أسئلة ملحاحة نختزلها فيما يلي :
ما المقصود بديوان الأولياء ؟
ما تعليل الكلام عنه في هذا المقام ؟
جوابا عن هذه الأسئلة ، سنفرد مساحة لائقة لاستنطاق نصوص من كتاب "الإبريز" ، تقدم صورة ساطعة لامعة عن مفهوم الديوان في الخطاب الصوفي عند الدباغ ، وقد آثرنا اتخاذ مصنفه نافذة نطل منها على هذا المفهوم لاعتبارين :
أولهما : أن الكتاب يعكس جانبا من التفكير الصوفي الذي ساد بالمغرب ، ولايزال يضرب أطنابه في بعض الطرق والزوايا ، واستنهض همم أصحاب أقلام لمناقشته نقضا أو نقدا أو تأييدا .
ثانيهما : أن الكتاب يعد وثيقة بالغة الأهمية بالنسبة لكل باحث رشيد ينشد الكشف عن الينابيع العميقة لفكرة "رجال أسا " أو "أولياء أسا " من خلال فحص الأصول الصوفية للفكرة ممثلة في المقبوس من كلام الإبريز عن انعقاد ديوان الأولياء بأسا كما سنورده مذيلا بما يتراءى لنا من تعليق نتخذ منه بساطا للمساءلة والأخذ والرد .
صدر صاحب الإبريز الباب الرابع من الفصل الثالث الموسوم ب : ذكر ديوان الصالحين رضي الله عنهم أجمعين بقوله :« سمعت الشيخ ( عبد العزيز الدباغ ) رضي الله عنه يقول : الديوان يكون بغار حراء الذي كان يتحنث فيه النبي النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة .... وسألته رضي الله عنه : هل يكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء؟ فقال رضي الله عنه : نعم ، يكون في موضع آخر مرة في العام لا غير، وهذا الموضع يقال له : زاوية أسا بفتح الهمزة والسين بعدها ألف ، خارج أرض سوس بينها وبين أرض غرب السودان ، فيحضره أولياء السودان ، ومنهم من لا يحضر الديوان إلا في تلك الليلة ، ويأذن الله تعالى ويسوق أهل آفاق تلك الأراضي ، ويجتمعون بالموضع المذكور قبل تلك الليلة بيوم أو بيومين وبعدها كذلك ، ويجتمع في ذلك السوق من التبر مالا يحصى »106.
ترى ، هل صدق الفؤاد ما رأى ، وبأي عين رأى مارأى ، كذا يتساءل كل قارئ حصيف لهذا المتن الموغل في الإشارة المبهمة التي تحلق بنا من عالم الشهادة الى ملكوت الغيب ، ومن سعة الغيب الى ضيق الأرض التي وصفها صاحب الكتاب بذلك حيث قال في موضع آخر : " فقلت : وهل ثم جمع آخر في غير هذين الموضعين [ يقصد مكة وأسا ] ، فقال : نعم ، يجتمعون ، ولكن لا يجتمع نحو العشرة منهم في موضع قط إلا في الموضعين السابقين ، لأن الأرض لا تطيقهم ، لأن الله تعالى أراد تفرقهم في الأرض وفي الخلق . والله أعلم"107.
ليس من صميم مرادنا أن نحكم بالتخريف على صاحب الإبريز ، وننهي القضية إنهاء مبرما بكلمة واحدة : أساطير الأولين !...، ولكن نريد أن نربع على أنفسنا ، فلا نصدقه ولا نكذبه ، فلو أننا كذبناه لكذبتنا وسخرت منا شواهد التاريخ والواقع التي تؤكد صحة إشاراته إلى الزمان والمكان الذي يحج فيه الناس إلى أسا فرادى وزرافات ، ليس للزيارة والتبرك فحسب ، بل لصلة الأرحام والتسوق والتزود ، إذ" يجتمع في ذلك السوق من التبر ما لا يحصى " كما عبر الكاتب ، وشهد به غيره عربا وأعاجم108، ولوأننا صدقناه فيما قال جملة وتفصيلا لاستخرفنا العقلاء !
إن إرادة التوسط والبعد عن الشطط ، تدفعنا إلى التقاط ما خف وطرف ( وكل طريف خفيف ) من محمولات هذا المقبوس / النص، ولنبدأ من العتبة /العنوان الموسوم "بالديوان" ، نتساءل عن معناه وزمان انعقاده ومكانه ،كي يستبين الخيط الناسج لأسا ومكة في سدى نسيج واحد تشكل القداسة والولاية أسه ولبابه.
حدد الإبريز صفة انعقاد ديوان الأولياء تحديدا ضافيا كافيا ، نقبس منه هذا المقبوس ، « ....قال رضي اله عنه : فيجلس الغوث خارج الغار ، ومكة خلف كتفه الأيمن ، والمدينة ( المنورة ) أمام ركبته اليسرى ، وأربعة أقطار عن يمينه : وهم مالكية على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه ، وثلاثة أقطاب عن يساره ، واحد من كل مذهب من المذاهب الثلاثة ، والوكيل أمامه ، ويسمى : قاضي الديوان ، وهو في هذا الوقت مالكي أيضا من بني خالد القاطنين بناحية البصرة ، واسمه سيدي محمد بن عبد الكريم البصراوي ، ومع الوكيل يتكلم الغوث ، ولذلك سمي وكيلا ، لأنه ينوب في الكلام عن جميع من في الديوان ....ويحضره النساء وعددهن قليل ، وصفوفهن ثلاثة ، وذلك في جماعة الأقطاب الثلاثة التي على اليسارفوق دائرة الصف الأول في فسحة هناك بين الغوث والأقطاب الثلاثة ....ويحضره بعض الكمل من الأموات ، ويكونون في الصفوف مع الأحياء ....وتحضره الملائكة ، وهم من وراء الصفوف ، ويحضره أيضا الجن الكمل ، وهم الروحانيون ، وهم من وراء الجميع ، وهم لا يبلغون صفا كاملا ...وفائدة حضور الملائكة والجن ، أن الأولياء يتصرفون في أمور تطيق ذواتهم الوصول إليها ، وفي أمور لا تطيق ذواتهم الوصول إليها ، فيستعينون بملائكة والجن في الأمور التي لا تطيق ذواتهم الوصول إليها »109.
بهذا البيان التفصيلي يرسم صاحب الإبريز "خارطة" ديوان الأولياء ، موضحا مواقع كل أعضاء الديوان من رئيس ووكيل وأعوان ، ويجعل القارئ المتتبع يصغي الى توصيفه الذي يقترب كثيرا من وصف "مجلس للقضاء" ، ويتصرف فيه كل طرف بحسب ما وكل إليه من مهمة !ويالها من مهمة مستبهمة مستغلقة تتعلق "بالتصرف" ! وقد لا نجد نظرة أدق الى كلامه وكلام غيره تقوم مشاهداتهم ومواجدهم من تلك التي ضمنها العلامة ابن خلدون مقدمته حيث قال:«وأما الكلام في الكشف وإعطاء حقائق العلويات وترتيب صدور الكائنات ....فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه ، لما أنه وجداني عندهم . وفاقد الوجدان عندهم . بمعزل عن أذواقهم فيه ....، وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ، ويؤاخذهم بها أهل الشرع ، فاعلم أن الانصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس ، والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه ، وصاحب الغيبة غير مخاطب ، والمجبور معذور ...وأما من تكلم بمثلها ، وهو حاضر في حسه ، ولم يملكه الحال ، فمؤاخذ أيضا ، ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج ، لأنه تكلم في حضور ، وهو مالك لحاله ، والله أعلم110.
لا نريد طرح السؤال أكان كلام الدباغ المنقول عنه مكاشفة أم واردا تغشاه في حال، أم رأيا سمعه أو تبناه ، فالجواب عن السؤال محال على كل حال مادام الراوي وصاحبه في ذمة الله ، غفر الله لنا ولهم ، ولكننا نود ان نسبر بعضا من مطويات ومضمرات هذا النص،ونضعها على سرير الفحص والدرس آملين ان تتداعى تداعيا حراً يمكننا من إعادة كل شاردة وواردة من الكلام إلى أصلها ومنبتها الذي نبتت فيه وترعرعت،فثمة كلمات كثيرة تنتمي إلى معاجم وقواميس ذات مشارب فقهية وفكرية جديرة بإماطة اللثام عنها،كي يفسر وجه المرجعية التي يصدر عنها صاحب الإبريز،ولهذا الغرض،سنعمد إلى تفكيك وتحليل بعض المؤشرات الدالة داخل النص:
المؤشر الأول:يعكس النص بوضوح صارخ المرجعية الصوفية التي يصدر عنها الكاتب،ولا أدل على ذلك من احترامه ومراعاته الدقيقة لتسلسل مراتب الأولياء ومقاماتهم عند الصوفية من غوث وقطب وأبدال.وللوقوف على نظرة القوم لتلك المراتب،نقتطف نصا من الفتوحات المكية قد لا تنقاد طلاسمه للفهم بسلاسة: " اعلم أن الأوتاد الذين يحفظ الله بهم العالم أربعة لا خامس لهم، وهم أخص من الإبدال،والإمامان أخص منهم،والقطب هو أخص الجماعة، والأبدال في هذا الطريق لفظ مشترك،يطلقون الأبدال على من تبدلت أوصافه المذمومة بالمحمودة،ويطلقونه على عدد خاص،وهم أربعون عند بعضهم لصفة يجتمعون فيها،ومنهم من قال: عددهم سبعة...ومنهم من قال : إن الاوتاد الأربعة من الأبدال،فالأبدال سبعة،ومن هذه السبعة أربعة هم: الأوتاد، واثنان هما الإمامان، وواحد هو القطب، وهذه الجملة هم الابدال.111.
وبيانا لجغرافية العالم الروحي112 عند ابن عربي،يوضح في الجزء الثاني من الفتوحات المكية أن إدريس (ع) هو القطب، والإمامان هما:عيسى وإلياس عليهما السلام،والوتد الرابع هو الخضر عليه السلام،وهؤلاء يسميهم ابن عربي" أنبياء الأولياء"، انتهى مقام بنوتهم،ولا يزال مقام ولايتهم مستمراً إلى حين نزول عيسى عليه السلام،إذ هو خاتم الأولياء113.
ونظرا لصعوبة قبول وتصور هذه الأفكار الموغلة في الغموض والإبهام، يدعو ابن عربي إلى عدم النظر إليها نظرا عقليا خالصا،فمن نظر إليها من " طريق النظر الفكري،فقد إستسمن ذا ورم،ونفخ في غير ضرم!.
وملاك الأمر،أن كلام ابن عربي،وهو الشيخ الأكبر،لا يقل غموضا عما وجدناه عند صاحب الابريز،والمعول عليه،ان إشاراتهم إلى ديوان الأولياء ومقاماتهم تغلب عليها صفة الستر كما قالت الدكتورة سعاد الحكيم،فالولي هنا مستور،لا يظهر للناس114 .وما يهمنا نحن هو الخلوص إلى ارتكاز المرويات الشعبية عن رجال أسا، وأولياء أسا،إلى هذه القاعدة الصوفية التي يمثلها الأبريز. فمن هذه الينابيع الصوفية انبجست أفكار التصوف الشعبي وتشربتها العامة.
المؤشر الثاني:يشي الأبريز بالمذهب الفقهي لصاحبه،إذ في إقراره بصيغة محاصصة بين المذاهب في تقسيم المهام داخل الديوان،يسيطر في ظلها المالكية على الحظ الأوفر والأجزل،إشارة مضمرة إلى أفضلية إتباع المذهب المالكي فقها من منظور صاحب الكتاب،ولا غرابة في ذلك،مادام الدباغ من أهل فاس،والمذهب المالكي هو المذهب الرسمي في المغرب عامة.
المؤشر الثالث:يصف الراوي وصفا دقيقا كيفية انعقاد الديوان بمكة المكرمة،وكأنه رآه رأي العين،وهذا ينسجم مع نقله عن شيخه الدباغ قوله:"فأراهم بعيني رأسي متميزين هذا بظله،وهذا لا ظل له115 !،لكنه يسكت عن وصف مكان انعقاد الديوان بأسا مكتفيا بحد المنطقة تحديداً جغرافيا كما ألمحنا.وفي تقديري،فإن اكتفاء صاحب النص بموقف الطارح لا الشارح لكيفية انعقاد الديوان بأسا،يبقي قلق وشغف السؤال قائما حول مكان الانعقاد،فهل من سبيل إلى إدراك هذا المكان ولو على سبيل التخمين والخرص لا على وجه اليقين والفحص؟
إذا أخدنا بعين الاعتبار العناصر الآتية،يمكن ان نتوصل إلى المكان المقصود على سبيل الظن:
- اجتماع الصالحين أو الأولياء بأسا متواتر لدى العامة في الأدعية " يا مجمع الصالحين" ، وصاحب الأبريز وكذا دولاشابيل نقلا عن الرواية الشفوية يشير كذلك الى " مركز اجتماع الأولياء".
- انعقاد الديوان بمكة يتم بغار حراء الذي كان يتحنث فيه النبي عليه السلام إلى حين نزول الوحي عليه.
- يصعد الناس جبلا به غار ليلة القدر،يدعى بأسا أورير لنبياء أو جبل الأنبياء116 أو تاوريرت لنبياء،وبذلك يكون الاحتمال على الوجه الأتي:
* ديوان الأولياء:
- مكة ( غار حراء).
- أسا ( غار تاوريرت الأنبياء)/مجمع الصالحين.
لا نجزم بصحة هذا الاحتمال،وإن كنا نعلم من خلال معرفتنا بالمنطقة،أن ثمة طقوسا كثيرة بأسا تحاكي طقوس الحج بمكة المكرمة!وقد كتبت الباحثة دوبيكودو ما نصه: " أورير لنبياء،جبل الأنبياء،يعتبر الناس تسلقه جزءا من مناسك الحج إلى أسا"117 .ولناعود لهذا الموضوع لاحقا.
المؤشر الرابع: من لطائف الإشارات المبثوثة في النص الإيماء إلى محورية ومركزية الزاوية بأسا،إذ تعد معلماً لا تنفك عنه المنطقة،وقد لا تعرف إلا به،وإذا كان الشيء بالشيء يذكر،فإن أسا تذكر بزاويتها وتشتهر بها،إذ هي قلب الحياة الروحية والمعمارية والاقتصادية للمنطقة.
المؤشر الخامس: يعكس النص الخلفية العقدية لصاحبه،وهي خلفية مشبعة إلى حد النخاع بفكرة الوساطة،إذ أنه يزكي فكرة قيام الأولياء بالتصرف وقضاء حوائج الناس فيما تطيقه ذواتهم،أما ما لا تطيقه ذواتهم،فيستعينون بالجن والملائكة لقضائها!

0 التعليقات