الجمل نيوز : بوزيد لغلى
تساوقا مع استيهامات الإبريز وكلامه المسهب عن ديوان الأولياء ، نسج المخيال الشعبي أساطير وخرافات كثيرة حول غار أورير لنبياء السالف الذكر، ولنستمع في هذا الإطار إلى شهادة باحثة عاينت ، وكتبت عن جانب هام من تلك الطقوس الخرافية والمعتقدات الشعبية ، إنها أوديث دوبيكودو التي زارت المنطقة عام 1950 ، وكتبت مايلي : " ينتصب في الجانب الآخر من الوادي المحاصر لجبل "أسا " ، تل طويل الشكل ، يسميه الناس : أورير الأنبياء ، جبل الأنبياء ، يعتبر الناس تسلقه جزءا من مناسك الحج إلى أسا .... إنه مكان ضمن أقدس الأماكن ، ما دام الشلوح والحراطين ( وغيرهم ) يؤمنون أن النبي محمد عاش في أعلى أورير لنبياء ، وكدليل على هذا فإنهم يعرضون على الزائر « خواتم النبي » في صورة حلقات بيضاء صنعت من أشباه الزنبق مرصعة في صخرة الزمن الجيولوجي الأول السوداء والناصعة (....) ، توجد على سطح هذا التل حفرة بيضية الشكل تمثل آثار قدم النبي ، قريبا من هنا أغلقت صخرة باب مغارة دفع بها النبي نفسه هنا لسجن تنين لن يخرج من المغارة ‘إلا عند نداء النبي يوم القيامة .... ويعتقدون ( أي سكان أسا ) أن النبي توفي عند أورير لنبياء ، وحسب إرادته وضع جثمانه على ظهر ناقته البيضاء التي مشت ليلا لتوصله في الصباح إلى المدينة (....) ومنذ هذا الحدث ، ورغبات المؤمنين الذين يصعدون لأول مرة هذا التل (....) مشبعة بشعور الوجود السري للنبي فيها " 118 .
هذه هي الحكاية التي استقتها هذه الباحثة من العامة ، وتنبهت إلى ما تتضمنه من خرافات ، لكنها اعتبرت تلك الخرافات منسجمة ومتسقة مع طبيعة الذهنية البدوية ، حيث أكدت أنه " كان لابد من التأكيد على حاجة الناس إلى الخرافات ، إنها إحدى المميزات الأساسية لعقلية وتقاليد الصحراويين الذين يتحركون بسهولة داخل عالم مخيلتهم الغرائبي " 119 . هذا الخيال الرحب رحابة الصحراء ، هو الذي أنتج حكاية من هذا القبيل ، يمكن أن نستخلص منها ما يلي :
- يخلع المخيال الشعبي القداسة المفترضة على مرتفع أو تل أورير لنبياء ، ونعلم من خلال الميثولوجيات والمعتقدات القديمة أن " الجبل يمثل ... الصورة المعبرة لعلاقة بين السماء والأرض ..... وفي الواقع يجري الكلام في العديد من الثقافات عن أمثال هذه الجبال الأسطورية أو الواقعية الكائنة وسط العالم : ميرو Meru في الهند ، هارابيرزيتي HARABERZATI في ايران .... وجير يزيم في فلسطين الذي كان قد سمي كذلك " سرة الأرض " ...، ويستخلص من ذلك أن الأرض أو الإقليم الذي يحيط به .... هو أرض مقدسة ، لأنه المكان الأكثر قربا من السماء " 120، " وهكذا ، فإن الجبال كانت تقدس لكونها قريبة من السماء ، وبالتالي لأنها تسهل الاتصال بالله ، ويقطن النبي – وهو ما نبا .....- جبلا كي يشرف وينبئ ، ويكتسب قداسة ، ويدفن في جبل كي تستمر له تلك الخصائص....." 121..
- لا تقتصر مكامن أو تجليات " المقدس" في مرتفع " أورير الأنبياء " ، بوصفه جبلا يسهل الإتصال بالسماء ، وإنما تتركز صفات " المقدس" في الغار الذي يحاكي من حيث رمزيته غار حراء ، إذ تحكي الأسطورة التي أوردها النص السابق أن النبي أقام هناك ، وترك بعض آثاره مرتسمة على الحجارة . ونظرا لما يحمله هذا الغار من صفات قدسية أسطورية ، فإنه حري بنا أن نتأمل من الحكايات المرتبطة به ما يلي :
*الصعود إلى الغار يتم ليلة القدر- السابع والعشرون من رمضان -في محاكاة واضحة للصعود إلى غار حراء ، فالنبي عليه السلام كان يتحنث هناك ، كما تروي كتب السيرة المحققة ، والنبي أيضا عاش في هذا المكان ، وارتبط ذكره بهذا الغار كما تحكي المخيلة الشعبية .
* ذكر التنين في النص السابق ، توازيه حكايات أخرى مماثلة تشير إلى وجود صورة أفعى على صخرة قرب الغار ، ويقابل ذلك ورود ذكر الحية في قصة اختباء الرسول عليه السلام وصاحبه أبي بكر في الغار.
* تسند الحكاية الشعبية حمل رفات النبي من موقع وفاته المتخيل (غار أورير لنبياء) إلى الناقة ، خلافا لبعض الحكايات المماثلة التي تزعم أن النبي زار هذه المنطقة على صهوة جواد أو فرس . وقد مرت معنا وقفة تحليلية لمفهوم ورود الخيل والفرس في بعض حكايات "رجال أسا" ، ونحن نعتقد أن ورود "الإبل" في متن الحكاية ، يتسق مع المنطق السردي ، وما تروم الحكاية إبلاغه من رسالة تتعلق ببركة المكان .
فالناقة رمز النقاهة ، وهي حالة شفاء ، والإبل عموما تحمل هذا المعنى ، ابل بمعنى شفي 122، وفي طقوس صعود الجبل، وإدخال الأيدي المتلهفة لحل العقد بلسم للأفئدة المعانية من قبيل الفتيات الراغبات في الزواج اللائي يحكى عن تمسحهن بهذا المكان "المبارك" ، عسى أن يشكل ذلك سببا للفكاك من شبح العنوسة 123.
* إن وصف النص السابق للحفرة أو الغار أو المغارة ، يفسر حقيقة ما يتخيله الكثير من العامة عن الخصائص الخفية والأسطورية لهذا المكان ، فكثير من الناس علقت بأذانهم قصص غريبة من قبيل سماع أصوات كصفير الريح ، ومن قبيل عسر إخراج اليد بعد إدخالها في الغار دلالة على سخط الوالدين، أما إخراجها بيسر ، فينبئ عن رضا الوالدين124...،والحقيقة أن المغارات « هي منا فذ الخروج والتجلي لأعماق الأرض (....) والهواء الذي يسري في جنباتها يوصل إلى آذاننا تنهيدات وصرخات وأصوات صفير...والزوار يأتون لسماع أجوبة عن أمور غيبية تتعلق بالإضطراب الذي يعاني منه كل واحد منهم » 125.
* الوجود السري أو الخفي للنبي الذي يشير إليه النص ، تثيره نصوص أخرى ، لعل أهمها نص الإبريز الذي يشير إلى حضوره الديوان في بعض الأحيان ، ونص دولاشابيل الذي يشير إلى أن النبي يمر بالمنطقة أو يزورها أحيانا 126. وهذا الوجود هو الذي يضفي على المكان القداسة المتخيلة ، وقد أشرنا سلفا إلى أن "حجر سيدنا يونس" .بماسة، إنما اكتسب القداسة من ارتباطه بذكرى يونس عليه السلام !
* يورد النص إشارة واضحة إلى أن أصل تسمية المكان أمازيغي (أورير) ، إذ أنه يشير إلى أن "الشلوح" أي الامازيغ يقدسون المكان . وتورد نصوص أخرى موازية (نص دولاشابيل) التسمية الامازيغية ذاتها بصيغة التأنيث (تاوريرت Tawrirte Lanbia )، وللأنوثة سحر خاص ، إذ أن كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه كما قال الإمام ابن عربي ، الذي أبدع شعرا في مدح خصائص حرف التأنيث (التاء) حيث أنشد يقول :
التاء يظهر أحيانــــــا ويستتر فحظه من وجود القوم تلوين
يبدو فيظهر من أسراره عجبا وملكه اللوح والأقلام والنون 127
فهل لتأنيث المكان على غرار أمكنة أخرى بأسا كتانوييست وتينغت وغيرها ، دلالة ما ترتبط بسيطرة الأنوثة وغلبتها على المستوى اللغوي . ألا يفيد ذلك الدارس لمظاهر الأميسية التي تثيرها دوبيكودو عند الحديث عن ملكات أسطورية بأسا 128، ألا يعزز هذا التحليل ، ما أشرنا إليه سلفا من غلبة تسمية الجدة لأم الشيخ المؤسس للزاوية على تسمية الجدة للأب ، باعتبار أن المجتمع الأميسي يعطي الأولوية للقرابة من جهة الأم ، أليست هذه الأميسية حاضرة بقوة في الأساطير المتصلة ب : أماه الزاوية 129.
المحور الثاني : الكركور/ الأحجار والنصب : عودة إلى العهد القديم !
في سياق تتبع مفردات الرأسمال الثقافي والرمزي الذي تزخر به أسا ، وتتمة لهذا الانتجاع في رحاب القداسة التي أضفاها المخيال الشعبي الأسوي على كثير من مكونات المكان /أسا ، نحاول فيما يأتي استكناه أصول ظواهر لافتة للنظر ، تحمل مكنونات رمزية سحيقة تشهد على غنى المنطقة وثرائها الثقافي بحكم أنها شكلت نقطة امتزاج أمشاج من الثقافات القرطاجية الفينيقية واليهودية والوثنية والإسلامية. ذلك الامتزاج الثقافي هو الذي دفع ببعض الباحثين إلى التقاط صور التشابه بين سوق المولود باسا ، وسوق الكونج الفنيقي ،معتبرا الأخير وريثا للأول ، كما أدى ببعض الباحثين أيضا إلى الإقرار بصعوبة معرفة أصول بعض الظواهر ، فلا " احد اليوم في أسا يمكنه القول من هم الناس الأولون الذين علقوا عظام خروف أو ثور أو غزالة قرب باب أو قرب نافذة حتى يثبت فيه الشر الذي يراد وقاية ساكني المنزل منه" 130 .


0 التعليقات